عاجل

صاويرص

دينا عبد الكريم

فى منتصف يوم مزدحم من أيام الاجتماعات فى منطقة وسط البلد وبين موعدين، ركنت سيارتى على جانب الطريق حتى أرسل إيميل عاجل وأجرى مجموعة مكالمات.
ساقتنى الظروف إلى ركنة بجوار نصبة شاى فى شارع من شوارع الدقى الأنيقة، سمعت بالصدفة حوارًا بين شاب ثلاثينى متعلم نصف تعليم، وبين العجوز صاحب النصبة.
الحوار كله كان يدور حول “صاويرص” هكذا كان ينطقها! لا أخفيكم أننى سمعت بالصدفة ثم قررت أن أستسلم لما سمعت قليلًا علَّنى أفهم ما يدور بعقل قطاع كبير من المصريين.
قال الشاب: شايف اليافطة الكبيرة دى، بيقولك دى متكلفة ٥ مليون الواحدة، ده بيوزع على المرشحين بتوعه فلوس زى الرز، ملايين يا عم، هما عاوزين ياخدوا البرلمان.
العجوز: يا عم أى حد يدخل المجلس إلا البعدا الإخوان وحبايبهم السلفيين دول غمة.
أنا مندهشة من هذا النضج السياسى عند الرجل العجوز، حتى عاد الشاب وصدمنى من جديد!
يرد الشاب، بأداء مسرحى: بس صاويرص دا هيشترى البلد بفلوسه، وبعدين دا بتاع “الميسيحيين” دا هو اللى جابلهم البابا “تادرس” يعنى هو بيجيب اللى هو عاوزه ويمشى اللى هو عاوزه، عارف بيوزع ع المسيحيين فلوس ف الكنيسة ما تلاقيش فيهم واحد بيشحت! واحنا بناكل الزلط!
أنا، جالى شلل فى نظام الفهم ف المخ من كتر الخيالات والهلاوس اللى بسمعها، عاوزة اضحك واعيط ف نفس الوقت! بتاع المسيحين إزاى يعنى؟! جاب البابا تواضروس! منين؟! ومشى مين؟! بروح الكنيسة أنا بقالى سنين ما شفتش ساويرس ولا مندوب عنه واقف يوزع فلوس ع المسيحيين يعنى، بضحك ونفسى أكمل أسمعه لكن ما قدرتش!
بعدها مباشرة ذهبت لتدريب مجموعة من المشتغلين بالعمل العام وحضرت نقاشًا قريب الصلة جدًا مما سمعت على “النصبة” ف الشارع ولكن عن رجل آخر! وكلام مثله عن امرأة تخوض الانتخابات وعن سمعتها وأخلاقها!
وبغض النظر عن الأشخاص، خرجت من هذا اليوم المزدحم بنتيجة واحدة، أننا لن نتغير بسهولة! أو على الأقل لن يغيرنا الاقتصاد ولا الأمن ولا الاستقرار، هذه أمور من شأنها حماية “الوجود” إنما التغيير والتحضر والثقافة تحتاج أشياء أخرى، تحتاج أن نضرب فى العمق إلى منطقة تغيير “الذهن”.
نصدر لدوائرنا وبالتالى مجتمعنا، كل يوم، أطنان من بضاعة “الحق المغلوط” عن البلد والأشخاص والأحداث، وكلما زاد جهلنا راجت بضاعتنا من الحق المغلوط، هى حالة قديمة لكنها تظهر وتتجلى فى مواسم الانتخابات، التى أفهم كونها حربًا شرسة، إنما الملفت لى جدًا، كيف يحاربون!
ف الشارع الأكاذيب مازالت موجودة، والميل المتطرف دينيًّا وسياسيًّا ما زال مؤثرًا بقوة، فى أوساط السياسة الحرب ضارية، من الخوض فى الأعراض والذمم بكل استباحة، وبدون أى أصول أو قواعد لمنافسة شريفة أو حتى حرب عادلة!
والسؤال، كيف نميز الحق المغلوط من حقيقة الأشخاص التى لا بد أن نعرفها قبل أن ننتخبهم!
كيف يمكن لشاب على نصبة شاى أو فى قاعة محاضرات أن يعرف من يختار؟ سؤال يبدو الأصعب الآن، إنما حتى تتغير الأمور سنختار بإحساسنا كالعادة، فصدق من يترشح وصدق من يقدم نفسه للناس حاميًا ومحاميًا عنهم، أمور علينا الاجتهاد فى قراءتها وتمييزها، لذا أسمعوهم ولا تسمعوا عنهم!
فتشوا عن الحقيقة وسط كل هذا الصخب، ولا تهزوا رؤوسكم بالموافقة إلا قليلًا.resize

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *